الرئيسية / أخبار حصرية / أمّ كلثوم:”الحبّ كده” خصام و وصال

أمّ كلثوم:”الحبّ كده” خصام و وصال

أحدّثكم اليوم عن إمرأة سلبتني حبّ أبي فكان يعترف بحبّها سرّا و علانية و كان كما شاءت قتيلها ، كان يجلس كأنّ على رأسه الطّير كلّما ظهر موكبها المهيب في حفلة تلفزيونيّة مسجّلة ، كنت أرى أبي صاحب الصرامة و الوقار في حضرتها فكره تايه شريد و قلبه هايم وحيد ينصرف عنّا ليدخل في الجبّ كما دخل يوسف نناديه فلا يسمع نستميله فلا يلين ، لقد كان بابا يدخل محراب الستّ معتكفا خاشعا منصتا لتراتيلها و ترانيمها غير عابئ بصراخ أمّي قائلة “انّما للصبر حدود يا حبيبي” ، و بنظراتي العدائيّة لصاحبة السحر و الجبروت و لسان حالي يقول “يا ست ليه المكايدة”..

الستّ هي فاطمة بنت الشيخ ابراهيم السيّد البلتاجي ، المشهورة بأمّ كلثوم أصيلة محافظة الدقهليّة بمصر .بدأت في عمر صغير التّجوال مع والدها مؤدّية الأغاني في الأعراس و منشدة الآيات القرآنيّة في الموالد و المناسبات الدّينيّة بدأ يذيع صيتها عندما غنّت في سنّ السّابعة في منازل الأثرياء
ثمّ ما لبثت سيّدة الغناء العربيّ كما لقّبها جمهورها أن نفذت إلى المدينة بعُمق. و رغم أنّ حظّها من التعليم لم يكن بجودة حظّ الكثيرات من سيّدات المجتمع و بنات العائلات الكبرى إلاّ أنّها كانت ذات موهبة استثنائيّة و ذكاء فطريّ خارق ، الشيء الذي مكّنها من التقدّم لرُتب مجتمعيّة لم يكن لسيّدة أن تبلغها ، فوقفت في مصافّ الرجال العظام دون أن يعوقها شيء عن أداء دور مجتمعيّ مهمّ لمطربة واعية و مثقّفة
نعم .. أنا كنت أكره هذه السيدة العظيمة في صغري ، أنا التي حرمني كرهي لها من التلذّذ بأغانيها حتى بلغت العشرين ، أنا التي حُرمت أن تواسيني كلماتها في خيبات المراهقة ..و لكن “دارت الأيّام” ، و “اتغيّرت و مش بايديّا” ف”كان يوم الهنا يوم يصفى الحبيب بعد الخصام” و”جاني الهوى من غير مواعيد” فلوّعني حبّ الستّ رغم يقيني بأنّها طاغية

نعم .. لقد طغت أمّ كلثوم لتصبح تلك الأسطورة التي سلبت عقول الجميع و حازت إعجاب الكلّ فلقّبوها بكوكب الشرق، لقد طغت حتى استولت على قلبي ، انا التي كنت اجلس في صغري أرمقها بنظرات الكره بينما يتمايل كلّ من أبي و أمّي على ألحانها مردّدين “عظمة على عظمة يا ستّ” ، طغت حتّى افتُتن النّاس بها فتجاوز سحرها الحدود الجغرافيّة و الزمنيّة ليجعل منها أسطورة خالدة ، هي الشمس و الجميع يطوف حولها ، حتّى أنّك ترى أشرس الرجال قد صاروا وُدَعاءَ في بلاطها و الصحفيّون و الكتّاب و الشّعراء الكلّ ينتهي بهم الحال إثر لقائها إلى الكتابة عنها بقلب مفطور من اللوعة عن الظّاهرة التي لا يجود الزمان بمثلها
حتّى السّاسة على اختلاف مشاربهم كانوا يسبّحون بحمدها ، فمنحها الملك فاروق وسام الكمال لتصبح منذ ذلك اليوم “صاحبة العصمة” ، و أحبّها عبد الناصر إلى درجة الوله خاصّة بعد أن غنّت له “أيّها المعلّم الكبير ، عندما يسألنا أولادنا في أيّ عصر عشتم ؟ في عصر أيّ ملهم ؟ نجيبهم نجيبهم في عصر عبد النّاصر”

شيّدت أمّ كلثوم عرشا لملكة و ليس شهرة لمجرّد مطربة ، فظلّت متربّعة على القمّة لما يزيد عن خمسة عقود فكان صوتها مصدر سطوتها و استبدادها بالقلوب و العقول و كان سلاحَها في مقاومة موجة الأغاني “الخليعة” كما أُطلِقَ عليها في عشرينات القرن الماضي
فقدّمت الستّ “مالي فُتنت بلحظك الفتّاك” في مواجهة “بعد العشاء يحلا الهزار و الفرفشة” ، و انتهت المواجهة بنجاح اسطوانة الكوكب محقّقة أرباحا كبيرة ليبدأ عـصـر اهتمامها بالقصائد المنظومة بعناية فغنّت لأبي فراس الحمداني “أراك عصيّ الدمع شيمتك الصبر” و غنّت لنزار قبّاني “عندي خطاب عاجل اليك” و غنّت لأحمد شوقي “مقادير من جفنيك حوّلن حاليا” و كان الحظّ الوفير من نصيب كلّ من أحمد رامي و بيرم التونسي

امتلكت امّ كلثوم قدرة رهيبة على فتنة من يسمعها و يتابعها فمن توجّه اليه سهام صوتها يصبح كالمشدود و الهائم في حضرتها فلا يتململ من أسرها و لا يتحرّر من سطوتها ، و لو كان أحمد رامي بيننا اليوم لحدّثنا كيف حوّلته الستّ من شاعر الفصحى و رافع رايتها و مترجم رباعيات الخيّام من الفارسيّة الى العربيّة الى زجّال ينظم الاغاني العاميّة لفتاة مازالت تتلمّس خطى الشّهرة و الإحتراف فمنذ أن حضر حفلتها الأولى ظلّ تحت حكمها الإستبداديّ حتى الممات
كان رامي يجري كالمجذوب وراء الستّ فكتب لها عشرات الأغنيات هي خلاصة حياته الأدبية و الإنسانيّة و لكنّ عودها لم يلن و هي تغنّي كلماته التي كتبت لها بإلهام منها رغم أنّ حبّه لها كان معلنا و مشاعره مفضوحة منذ البداية
خطّ أحمد رامي كلمات نُقشت في الأذهان و القلوب بحروف من ذهب فكتب “فضلت أخبّي عنّه هوايا” و “حيّرت قلبي معاك” “و خايف يكون حبّك ليّا شفقة عليّا” و “يا فرحة القلب الحزين” و منحها درّة كلماته تماما كما منحها الإسم المحبّب الى قلبها سومة..
ثمّ استكمل رحلة حبّه فكتب لها “غلبت اصالح في روحي” و “يا ظالمني” و “يلّي كان يشجيك أنيني” ، بينما استكملت هي رحلة السلطان و الجنون الفنيّ و غنّت ما كتبه عنها دون تردّد غير مهتمّة بآهاته ، فلو توقّفت آهات رامي لتوقّفت أمّ كلثوم عن الغناء و لسكنت آهات الجمهور
فقد كانت تستلذّ بمعاناته التي تولد من رحمها سطور تفيض سحرا ، ربّما لم تكن تحبّه كرجل لكنّها شُغفت به كشاعر يسقيها صبابة العشق كلمات فتصدح بها لجمهورها الذي ليس له الاّ ان يخرّ ساجدا او مغشيّا عليه

عاشت “سومة” تمارس لعبتها المفضّلة و هي السطو على القلوب و سلب العقول فهذا الملحّن يحبّها و ذاك الشاعر متيّم بها و هذا الباشا يتوق اليها و ذاك الصحفيّ يقضي بين يديها معظم اوقاته حتى وافاها الأجل في 3 فيفيري (فبراير) 1975
و اليوم و قد مرّت 45 عاما على رحيلها مازالت تستحوذ على قلوب الصغار و الكبار و مازالت و ستظلّ مرجعا يتربّع على عرش الطرب يتنافس أهل الغناء على اختلاف جنسيّاتهم و ميولاتهم الغنائيّة على تكرار اغانيها محاولين النزوع نحو الكمال الذي تفرّدت به ، و الجيل تلو الجيل يحبّها و يسهر متوسّدا أغانيها متلحّفا بكلماتها مُلتاعا بألحانها لا اختيارا بل انّ كلّ شيء بقضاء ما بأيدينا نحبّ العظماء و ده مستحيل قلوبنا تميل عن حبّها أبدا أبدا 

مريم باباي

عن Mariem

شاهد أيضاً

” لأن القصيدة أنثى ” إحتفاء بالأنوثة في يومها العالمي

انطلقت مساء يوم الجمعة 8 مارس تظاهرة “لأن القصيدة أنثى”حيث أقتبس عنوانها من كلمات الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *